العطار الإسرائيلي ( داوود بن أبي نصر )
234
منهاج الدكان ودستور الأعيان في أعمال وتراكيب الأدوية النافعة للأبدان
الحاجة فلا بأس أن تكون راجحة إلا المحمودة واللبانة المغربية ، فإن الكثير من الشيء القليل كميته القوي كيفيته مضر بل حرر ما يقوله الطبيب ، وإن رجحت شيئا فيكون مقدار ما ينمحق لا غير ، واحرص أن لا تبيع حاجة إلا مغربلة منقاة ، ففي ذلك حسن سمعة لك وكسب أجر وشرف نفسك عن الاندلاق على الزبون فإنه يستنذلك ، واتكل على اللّه فما كان لك سيصلك ، وتودّد إلى خدمة الأجلاء من معامليك ، ولا تهمل المتوسطي القدر ودار الأدوان فبذلك تأمن عاقبة أمورك ، وإذا دعتك إليهم حاجة وجدتهم لكن لا تعتمد عليهم وإن كانوا سببا ، فإن اللّه هو الذي يقضي الحوائج ، وإنما ضعف الطبيعة ومعرفة الإنسان بربه يوهمه أنه غير أهل لذلك . واحذر أن تفتح دكانك قبل كل أحد وتغلقه بعد كل أحد من أهل سوقك ، وإذا جاءك أحد تخشاه وطلب منك شيئا فأعطه وأنت باشّ الوجه بقلب طيب ظاهرا وباطنا ، وإياك أن يفهم منك ضدّ ذلك فيروح يسبك ويعاديك ، وأكرم غلمان الأجلاء وأصحابهم وحاشيتهم يكرموك إذا حضرت عندهم ويذكروك بالخير ويردّوا غيبتك ، ولا تتهاون في طلب الرزق ولا تكثر منه فإن الإهمال يوجب الفقر والإكثار يوجب الذلة والتعب ، ولا تخرج من بيتك إلا وأهل بيتك راضون عنك داعون لك فإن رضا العائلة نافع ودعاءهم يضر ، ولا تعاد أحدا من خلق اللّه تعالى ولو زوجتك وعبدك أو ولدك ، وإن اتفق بغير اختيارك معاداة أحد فتلافاه واعمل بما قال الشاعر : لا يستخفن الفتى بعدوّه * أبدا ولو كان العدوّ ضئيلا إن القذى يؤذي العيون قليله * ولربما جرح البعوض الفيلا ودار بمالك عن عرضك وأنت تعلم ، وسالم الأيام والناس تسلم ، وانظر إلى من هو دونك يعظم شكرك ، ولا تنظر إلى من هو فوقك تتعب ، ولا تمدّنّ عينيك إلى نظر النساء ، وإن نظرت فلا تفكر فإن النظر إليهنّ يؤدّي إلى الفكرة ، والفكرة تؤدي إلى الطلب ، والطلب يؤدي إلى ارتكاب الأخطار ، وارتكاب الأخطار يؤدي إلى الهلاك . وقد قال الفيلسوف : كل شيء عوض النفس وليس للنفس عوض ، فمضيع نفسه مضيع كل شيء وحافظ نفسه حافظ كل شيء قال الشاعر : لو فكر العاشق في منتهى * حسن الذي يسبيه لم يسبه وغاية هذا المال اكتساب قناية المآل ، ولا تضحك في وجه الزبون فيطمع فيك سيما النساء فإنهنّ يتوهمن شيئا آخر وأنت بريء منه فيطمعن فيك ، ولو أن المرأة عجوز أو قبيحة المنظر أحوجتها محبة نفسها أن لا تحتقر نفسها ولا تعتبر بقبح منظرها ، بل تظن أن الضحك لأمر يراد منها ، وخالط الأخيار تدع خيرا